ديتريش بونهوفر (1906-1945) - كاهن لوتهري ألماني، مفكر ديني ومشارك في مؤامرة ضد النازية، تم اعدامها قبل بضعة أسابيع من نهاية الحرب. أفكاره، التي شكلتها في فترة قصيرة ومأساوية (في رسائل السجون والملاحظات)، تتجاوز حدود المقاومة الدينية للنازية. بونهوفر استطاع التنبؤ بالتحديات الرئيسية للقرن الحادي والعشرين: أزمة الدين المؤسسي، البحث عن الأخلاق في «عالم بدون الله»، تحديات التقدم التكنولوجي وضرورة العمل المسؤول في ظل التهديدات العالمية. تعارف تفكيره حول «الإسلام اللاديني»، «النعمة الرخيصة والكريمة»، «العالم الذي وصل إلى البلوغ» يبدو اليوم بوضوح لا يصدق.
بونهوفر، الذي كان يلاحظ التسيكل في أوروبا، توصل إلى استنتاج راديكالي: زمن «الدين» كنظام اجتماعي يلبي الحاجات البشرية (بما في ذلك «الحاجة إلى الله») قد انتهى. كتب عن «العالم الذي وصل إلى البلوغ» الذي لم يعد يحتاج إلى فرضية الله لشرح العالم.
الجدية: اليوم نرى ليس فقط الهروب من الكنائس، بل أزمة الثقة في أي مؤسسة هرمية، بما في ذلك المؤسسات الدينية. يقدم بونهوفر البحث عن روحانية الأصل في الكنيسة، ليس في الطقوس والتعاليم، بل في «الوجود للآخرين» مثل المسيح، «البشرية للآخرين». هذا يتوافق مع البحث الحديث عن روحانية أصيلة خارج الإطارات الرسمية، الأخلاقية القائمة على التضامن والخدمة وليس على الانتماء الديني. أفكاره قريبة من العديد من ممثلي الجيل «روحانيون وليسوا دينيين».
مثال: يمكن النظر في الحركات الخيرية والإنسانية الحديثة (مثل نشاط طبيبون بدون حدود أو النشطاء البيئيين) حيث تكون دافعية التضحية والخدمة عالمية، ولكنها تتمتع بروح أخلاقية عميقة، من خلال رؤية الإيمان البونهوفي «الإسلام اللاديني» — حيث يظهر الإيمان ليس في الإقرار، بل في الفعل.
في عمله المبكر «ثمن التلمذة»، انتقد بونهوفر «النعمة الرخيصة» — العفو بدون التوبة، القداس بدون الإعتراف، النعمة بدون الصليب. هذا هو النعمة التي كانت تقدمها الكنيسة لتبرير صمتها الموافقة على العالم (بما في ذلك النظام النازي). يقارنها بـ «النعمة الكريمة» — دعوة إلى اتباع المسيح الذي يتطلب قرارات محددة ومؤلمة، المسؤولية الشخصية والاستعداد لدفع الثمن.
الجدية: في عصر الاستهلاك والتوافق والثقافة «المنسوخة» (cancel culture)، تجد فكرة «النعمة الرخيصة» تجسيدات جديدة. هذا هو «الإيثيكية الحسنة النية» في وسائل التواصل الاجتماعي (النشاط الهاشتاجي بدون أفعال حقيقية)، وحاول شراء الإعفاء من خلال العمل الخيري المظاهري، والمعتقدات الدينية أو الفكرية المتعصبة التي تبرر التعصب. «النعمة الكريمة» لبونهوفر هي دعوة إلى المسؤولية الشخصية غير المفوضة، إلى الأفعال التي قد تكلف السمعة أو الوظيفة أو حتى الحياة (كما في حالة النشطاء ضد الحرب الروس أو المدافعين عن حقوق الإنسان في البلدان الاستبدادية).
وضع بونهوفر نفسه في موقف أخلاقي مروع عند مشاركته في مؤامرة ضد غيتلر: انتهاك وصية «لا تقتل» لإنقاذ ملايين. في كتابه «الأخلاق»، تفكر في أن المسؤولية أمام الله قد تظهر في استعداد أخذ المسؤولية عن الذنب، ارتكاب خطيئة شديدة من أجل الخير العظيم. هذا ليس تبريرًا للشر، بل عبء حقيقي لاختيار.
الجدية: في القرن الحادي والعشرين، أصبحت «الوضع الحرج» تقريبًا روتينية. الأطباء الذين يختارون من ينقذون عند نقص الأجهزة التنفسية في أثناء الوباء، الجنود الذين يخالفون الأوامر لمنع الجرائم الحربية، «المكشوفين عن المعلومات» (whistleblowers) مثل جوليان أسيانج أو إدوارد سنودن، الذين يخالفون قوانين السرية من أجل المصلحة العامة — جميعهم يواجهون تحدًا بونهوفي. تفكره تعطي لنا لسعة الإجابة، بل طريقة لاتخاذ القرارات: الوعي بعدم إمكانية البقاء «عديم الذنب」, الاستعداد لنقل العبء الناتج عن العواقب، والاستمرار في التساؤل أمام الله / الضمير.
في رسائل السجون، كتب بونهوفر عن ضرورة العيش في وجه العالم «etsi deus non daretur» («كأن لا يوجد الله»). هذا ليس أتئيزم، بل دعوة إلى عدم استخدام الله كـ «قطعة قماش» لملء الفجوات في المعرفة أو كضمان للنجاح. الله للمسيحي هو «الإله المتألم»، الضعيف والمعجز في العالم، المشارك في مصير البشرية على الصليب. من هنا، فكرة أن الإيمان الحقيقي يجب أن يكون مخفيًا («الرقم السري»)، ممارسة في السر، وليس في العرض.
الجدية: في عصر الشعبوية، حيث تستخدم الخطابات الدينية غالبًا لتبرير السلطة والتعصب، يصبح الدعوة إلى الإيمان «المخفي»، غير العمومي، المتواضع مضادًا. تفكر في «الإله المتألم» يتعاطف مع البشر الذين يعانون من الظلم والعدالة والالم، يقدم تفسيرًا لمعاناة البشرية، ويقدم التضامن مع الذين يعانون. والحياة «كأن لا يوجد الله» هي دعوة إلى المسؤولية المدنية والعقلانية للعالم، التي يجب أن ينقلها المسيحي، وليس يتحول إلى «الإرادة الإلهية».
معلومة مثيرة: كان بونهوفر من أوائل الذين فكر في تأثير التكنولوجيا على الإنسانية. في السجن، تفكر في أن الراديو والصحافة غيرت طبيعة التواصل، جعلته أحاديًا وسطحًا، وإنذار من خطر «إندثار الإنسانية» من خلال التقدم التكنولوجي غير المتوازن مع النضج الروحي. هذا التنبؤ المباشر بالتحديات في عصر التحدي الرقمي، وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
أفكار بونهوفر ليست مهمة لأنها توفر إجابات مريحة، بل لأنها تطرح أسئلة غير مريحة ومؤلمة، التي زادت من تعقيد القرن الحادي والعشرين:
كيف يكون المسيحي (أو الشخص الأخلاقي) في العالم «البالغ»، العلماني؟
كيف يمكن التفرقة بين الأخلاق الحقيقية من سوروجاتها «الرخيصة» والمتقافئة؟
كيف يمكن العمل المسؤول في المواقف التي يحمل فيها كل خيار الشر؟
كيف يمكن الحفاظ على الإيمان دون تحويله إلى أداة للسلطة أو وهم مرضي؟
يطلب بونهوفر إلى «الشجاعة في الفعل المحدد» ضد الأيديولوجيات التجريدية، إلى التضامن مع المضطهدين والمعانون، إلى قبول العالم كما هو بوضوح، والاستعداد لدفع الثمن الشخصي للاعتقادات. في عصر الأزمات العالمية، الحقائق المتباينة والتشكيك الشامل، يصبح صوت بونهوفر — صوت الكاهن والمخطط والمسيحي المسيحي — صوتًا قاسيًا ومهمًا لدعوة إلى النضج، المسؤولية والتفاؤل، التي تم تجربتها في وسط المأساة.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2