تتويج نابليون بونابارت ملك إيطاليا، الذي تم في 26 مايو 1805 في كاتدرائية ميلانو (Duomo)، يمثل ليس مجرد تاريخ مهم في حياة الإمبراطور، بل عمل سياسي رمزي معقد تم سيناريوهه ببراعة للإقرار بالسلطة الجديدة. هذا الحدث، الذي وقع بعد ستة أشهر من تتويج نابليون الإمبراطور الفرنسي في باريس، كان عنصرًا حاسمًا في استراتيجيته لتأسيس الإمبراطورية القارية والاندماج الأراضي الإيطالية في دائرة التأثير الفرنسي. اختيار ميلان ومسجدها الرئيسي كمنصة للإحتفالية كان محسوبًا جيدًا.
بعد إعلان نابليون الإمبراطور الفرنسي في مايو 1804، تم تحويل الجمهورية الإيطالية، حيث كان هو الرئيس، إلى مملكة إيطاليا. لم يكن اختيار العاصمة واضحًا: كان روما كرسي البابا، كانت تورين عاصمة دوقية سافوي، كانت فينيسيا جمهورية أرستقراطية حديثة. ميلان، الذي كان مركزًا للعصرانة الإبستمولوجية تحت حكم هابسبورغ، وأكبر مدينة في شمال إيطاليا، كان حلًا مثاليًا. إنه كان يمثل القوة الاقتصادية والإدارية دون أن يكون محملًا بالانتماءات الجمهورية أو البابوية.
تم اختيار كاتدرائية ميلانو، المعلم الجوتي العظيم الذي لم يكن بناؤه كاملاً بعد في ذلك الوقت، ليس عشوائيًا. على عكس كاتدرائية نوتردام في باريس، التي كانت مرتبطة بتقاليد الملوك الفرنسيين، كان دويومو «ورقة بيضاء» من حيث تتويج الملوك. إنه كان يمثل إرث النظام القديم وليس طموحات المملكة الحديثة، المستقبلية. كانت مقاييسه تتوافق تمامًا مع الإحتفالية المسرحية الكبيرة.
أصبحت تتويج نابليون عملية دقيقة مختلطة بين التقاليد والابتكارات.
الصراع الطقوسي مع البابوية: في باريس، كان البابا بندكت السابع موجودًا في تتويج نابليون، لكنه لم يكن يباركه. هذا كان قرارًا مدروسًا: لم يرغب نابليون في الاعتماد على مباركة البابا لملكته الإيطالية، مما يعكس طابع السلطة العلمانية. قام بالاحتفالية الكاردينال جوفانني باطيستا كابرا، الذي كان مولويًا لنابليون. هذا أبرز استقلالية المملكة الجديدة عن روما.
الاهتمام بالخاتم الفولاذي: لم يكن العنصر الرئيسي هو الخاتم الجديد الذي تم إعداده، بل الخاتم الفولاذي لللومبارديا — رеликيا قديمة، وفقًا للقصة، تحتوي على مسمار من الصليب المقدس. كانت تستخدم لترقي الملوك اللومبارديين والقادة الوسطيون في إيطاليا. وضع نابليون هذا الخاتم على رأسه وألقى جملة معروفة: «Dio me l'ha data, guai a chi la toccherà» («أعطاني الرب، بل كل من لمسها سيكون مختونًا»). هذا الحدث كان ميميكيًا سياسيًا ذكيًا: ربط السلطة الجديدة، التي كانت من روح الثورة، بالتراث القديم، مخلصًا إلى حد كبير إلى التتابع والموافقة الإلهية.
الاحتفالية الذاتية: مثل الإجراء في باريس، أخذ نابليون الخاتم من يده وأوقده على رأسه. هذا الحدث كان جسرًا أساسيًا في فلسفته السياسية: تأتي السلطة من الشعب (أو انتصاراته) وإرادة الملك نفسه.
الإيقونات الإمبراطورية: كانت الإحتفالية مليئة بالإشارات إلى الإمبراطورية الرومانية. لبس نابليون معطفًا أحمر، يذكر القميص، واستخدم رموز الأشباح والزهور من اللؤلؤ. هذا كان يؤكد وضعها كوريث للقسطنطينيين وإنشاء الإمبراطورية الجديدة على أنقاض الإمبراطورية الرومانية المقدسة للدوقية الألمانية.
كان تتويج في ميلان منفصلاً، لكنه كان حدثًا مهمًا. لقد أقر قانونيًا إنشاء مملكة إيطاليا المارونية، والتي كان يرأسها ابن عمه يوهان بوهارن باسم نابليون. ومع ذلك، استمرت أهمية الحدث بعد فترة نابليون.
تحفيز الانتهاء من بناء الكاتدرائية: كان نابليون، الذي كان مذهولًا بمقاييس دويومو، ولكن متضايقًا من واجهتها غير المكتملة، قد أصدر أمرًا بتخصيص الأموال وتسريع الأعمال. تم الانتهاء من الواجهة بشكل كبير بحلول عام 1813 بفضل التمويل الفرنسي، على الرغم من أن العديد من التماثيل تم إضافتها لاحقًا.
تأسيس الحدث كأسطورة: أصبحت تتويج موضوعًا للتفكير التاريخي والفني. اللوحة الشهيرة لاندريا أبياني «تتويج نابليون ملك إيطاليا» (تخزن في ميلان)، على الرغم من أنها أقل شهرة من عمل دافيد حول الاحتفالية في باريس، هي وثيقة هامة للعصر، تحفظ نسخة رسمية من الحدث.
السابقة السياسية: أنشأ الطقوس الخاتم الفولاذي رمزًا قويًا، الذي حاول استخدامه العديد من الملوك الآخرين خلال ريسورجيمينتو لشرح طموحاتهم على توحيد إيطاليا.
كان تتويج نابليون في كاتدرائية ميلانو عرضًا سياسيًا مذهلاً، حيث اجتمعت العمارة والتراث والطقوس والشعارات. أظهرت مهارة نابليون في استخدام الرموز التاريخية لإقرار شكل جديد للسلطة، بعد الثورة. شارك دويومو في هذا العمل ليس كدعامة فقط، بل كلاعب فعال، حيث أصبحت قبة غوتمية شاهدة على ميلاد محاولات قصيرة الأمد، لكنها طموحة، لإنشاء الإمبراطورية الحديثة على أرض إيطاليا. سيظل هذا الحدث دائمًا في النسيج التاريخي لميلان، يضيف طبقة أخرى من المعنى إلى كاتدرائيته الرئيسية.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2