تخيل دولة حيث يلعب الأطفال بالكرة على طرق الغبار وليس على ملاعب خضراء، وليس هناك أي ملعب كرة قدم، ولا أي فريق مسجل، ولا حتى اتحاد وطني. حتى مؤخراً، كانت هذه البلاد فعلاً موجودة. جزر مارشال، دولة صغيرة في المحيط الهادئ، تضم أقل من 40 ألف شخص، ظلت لسنوات طويلة البلد الوحيد المعترف به من قبل الأمم المتحدة في العالم، الذي لم يكن لديه منتخب وطني لكرة القدم. كيف حدث أن في بلد حيث أصبحت كرة القدم لغة عالمية، هذا النوع من الرياضة قد تم نسيانه؟
تقع جزر مارشال في قلب المحيط الهادئ، بين جزر هاواي وأستراليا. إنها 29 atol، التي تصل في المتوسط إلى مستوى البحر بقدر لا يتجاوز مترين. استوطنت قبل حوالي ألفين سنة من قبل مهاجرين من جنوب شرق آسيا، ظلت هذه الجزر لفترة طويلة في الهامش التاريخي العالمي. اكتشفتها إسبانيا في القرن السادس عشر، ثم أعادتها بريطانيا إلى اسمها الحالي، قائد البحرية البريطانية جون مارشال في عام 1788، وأخيراً أصبحت تحت سيطرة ألمانيا، ثم اليابان، وبعد الحرب العالمية الثانية — الولايات المتحدة. أجرت الولايات المتحدة في عامي 1946-1958 تجارب نووية على جزر بيكيني وإنيويatok، تركت وراءها ليس فقط التلوث الإشعاعي، بل وآثار عميقة في الذاكرة الجماعية للشعب. اكتسبت البلاد استقلالها فقط في عام 1986.
هذا المسار التاريخي ساهم بشكل كبير في عدم وجود كرة القدم على الجزر.
السبب الرئيسي لعدم وجود كرة القدم في جزر مارشال هو التأثير الثقافي القوي للولايات المتحدة. بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت الجزر إلى إدارة الولايات المتحدة، وغزت الثقافة الأمريكية جميع جوانب الحياة. جاءت مع قواعد القوات الأمريكية إلى الجزر أنواع رياضية أمريكية. ترعرع الأطفال في جزر مارشال، يلعبون كرة السلة والبيسبول وليس كرة القدم. كان هذا الخيار الطبيعي: كان الجنود الأمريكيون يحملون الكرات، يعرضون المباريات، ويقومون بتكوين البطولات. أصبحت كرة السلة أكثر الرياضات شعبية في البلاد وتظل كذلك حتى اليوم.
لم يكن هناك كرة قدم. لم يكن جزءاً من المنهج المدرسي، لم يكن هناك مدربون، لم يكن هناك تقليد. لفترة طويلة، بقي كرة القدم بالنسبة للسكان المحليين لعبة غريبة يتم عرضها على التلفزيون، لكن لا أحد يلعبها. حتى كثير من السكان المحليين لم يلمسوا كرة القدم.
إذا لم يكن هناك تقليد، لم يكن هناك بنية تحتية. لم يكن هناك أي ملعب كرة قدم كامل في جزر مارشال حتى مؤخراً. تتكون البلاد من atolls، التي تملك مساحة محدودة، وتم استغلال معظم الأراضي المعتدلة للسكن، الطرق، والبنايات الإدارية. يتطلب بناء ملعب كرة قدم مساحة، وليس هناك مساحة. لم يكن هناك أي نادٍ، ولا دوري، ولا منافسات. والأهم من ذلك، لم يكن هناك مدربون قادرين على تدريب الأطفال. كرة القدم ليست مجرد كرة ومرمى، إنها نظام من المعرفة والتكتيكات والأساليب التي يتم نقلها من جيل إلى جيل. تم قطع هذه السلسلة في جزر مارشال.
لم يكن هناك أي بنية تحتية رياضية أساسية في العاصمة، ماجورو، حتى عام 2020. بدأ بناء ملعب الركض في عام 2019، الذي أصبح في النهاية أساساً لملاعب كرة القدم في المستقبل.
السبب الآخر هو عدم وجود هيكل تنظيمي. لم تظهر المنتخب الوطني بشكل طبيعي لأن لم يكن هناك اتحاد يمكن أن يخلقها. ليست جزر مارشال عضواً في الفيفا ولا في اتحاد كرة القدم في المحيط الهادئ (OFC). وليس هناك بدون اتحاد، لا مباريات دولية، ولا تصنيف، ولا تمويل — حلقة مفرغة لا يمكن كسرها لعقود.
حتى عام 2020، لم يكن هناك سوى قصص ساخرة عن كرة القدم في جزر مارشال: «الدولة الوحيدة في العالم بدون فريق كرة قدم». كانت المفارقة أن البلد الذي كان يمكن أن يفخر بتفريده، شعر في الواقع بأنه مظلوم. لأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، إنها وسيلة للاعتراف على الصعيد الدولي.
تغير كل شيء بفضل شخص واحد — شيم ليفا. ولد في جزر مارشال، لكنه عاش في الولايات المتحدة. في إحدى المرات، أراد ابنه، مثل العديد من الأطفال، اللعب بكرة القدم. وكان من المفاجأة له أن لم يكن هناك أي بنية تحتية لهذه اللعبة في وطنه. لا ملاعب، ولا كرات، ولا فرق.
في عام 2020، أسس شيم ليفا اتحاد كرة القدم في جزر مارشال (Marshall Islands Soccer Federation). بدأ من الصفر — جمع الأجهزة، إحضار الكرات من الولايات المتحدة، تنظيم التدريبات الأولى للأطفال. وجد معجبين في كل أنحاء العالم: متطوعين من بريطانيا، مدربين من أوروبا، ممثلين للجالية في أركنساس، حيث يعيش أكبر مجتمع من سكان جزر مارشال خارج البلاد. في عام 2021، استعينت الفيدرالية بمدير تقني أول — مدرب بريطاني يملك رخصة UEFA. سافر لloyd owers، حامل الرخصة، مسافة 13 ألف كيلومتر ليعود إلى الجزر ويبدأ تدريب المدربين المحليين.
لكن كان لدي هذا المشروع مهمة أخرى، أكثر أهمية. توجد جزر مارشال في خط المواجهة للcrisis المناخية. بسبب ارتفاع مستوى المحيط الهادئ، يمكن أن تختفي البلاد بالكامل بحلول عام 2050. لا أحد يعرف كم ستستمر هذه atolls، لكن التوقعات مخيفة.
أصبحت كرة القدم بالنسبة للسكان المحليين وسيلة لجذب الانتباه إلى مصيبة بلادهم. أصدرت الفيدرالية شارة خاصة تسمى «لا مكان في البيت» (No Home). كانت على القمصان صورة ثقوب، وعدد كبير في وسطها — «1.5». كان هذا مرجع إلى مستوى الحرارة المناخية: إذا ارتفعت درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة، يمكن أن تغرق جزر مارشال. أصبحت كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل بيان سياسي، نداء للمساعدة، موجه إلى العالم بأسره. إن إنشاء المنتخب هو محاولة لعدم نسيان وجود هذه البلاد الصغيرة.
في 14 أغسطس 2025، لعبت جزر مارشال مباراتها الأولى في تاريخها الرسمية بتنسيق 11 ضد 11. هذا الحدث لم يكن مجرد حدث رياضي، بل كان رمزياً. لعب المنتخب ضد فريق جزر فيرجن الأمريكية في إطار بطولة Outrigger Challenge Cup. أقيمت المباراة في مدينة Springdale، ولاية آركانزاس، الولايات المتحدة — على بعد 10 آلاف كيلومتر من وطن الفريق. كان هذا قراراً مدروساً: إن في آركانزاس يعيش أكبر مجتمع من سكان جزر مارشال خارج البلاد، وأراد المنظمون أن يدعموا فريقهم.
خسر المنتخب المباراة بنتيجة 0:4، لكن حقيقة الخروج على أرض الملعب كانت انتصاراً. أعلن المدرب لloyd owers هذا الحدث بـ «مذهل»: «كان هذا مجرد حلم. أنشأنا العديد من الظروف والهياكل لتمكين الأطفال من اللعب، والبالغين من التدريب». العديد من لاعبي المنتخب كانوا يلعبون للمرة الأولى في تنسيق 11 ضد 11. لم يكن لديهم سابق تجربة في المنافسة، بل كانوا يلعبون فقط في كرة القدم المحلية أو لم يكن لديهم تجربة منافسة على الإطلاق. تم جمع الفريق في غضون أيام قبل البطولة.
أصبحت المباراة الأولى بداية لعهد جديد. تهدف الفيدرالية لكرة القدم في جزر مارشال إلى الحصول على عضوية في الفيفا والاتحاد الأوروبي لكرة القدم. تتوقع قيادة الفيدرالية الحصول على الاعتراف الدولي بحلول عام 2030. الخطط طموحة: تخطط البلاد لاستضافة مباريات دولية الأولى على أرضها في عام 2027. يبدأ أول دوري محلي في تاريخ البلاد في يوليو 2027 — دوري كرة القدم في جزر مارشال.
يتم إنشاء ليس فقط منتخب، بل نظام كرة قدم كامل: أكاديميات الأطفال، دورات تدريب المدربين، المناهج المدرسية. تعمل الفيدرالية على جعل كرة القدم جزءاً من التربية البدنية في المدارس. وأيضاً — تستمر في استخدام الرياضة كمنصة للنضال المناخي.
ظلت جزر مارشال لفترة طويلة آخر دولة على الأرض بدون منتخب كرة القدم — ليس لأن لم يكن هناك حب للرياضة، بل لأن التاريخ والجغرافيا والسياسة تكونت بطريقة لم تسمح لكرة القدم بالوصول إلى هذه الشواطئ. جلب التأثير الأمريكي كرة السلة، وعدم وجود البنية التحتية لم يسمح بتطوير اللعبة، والسكان القليلون والانعزال جعل إنشاء المنتخب أمراً مستحيلاً. لكن بفضل جهود المعجبين، الذين بدأوا من الصفر — بدون ملاعب، بدون كرات، بدون مدربين — أصبحت البلاد الآن على الساحة الدولية.
اليوم، كرة القدم في جزر مارشال ليست مجرد رياضة. إنها رمز الأمل، وسيلة للاعتراف وبقضية بلادهم، فرصة لجمع الجالية وتوجيه الانتباه إلى الكارثة المناخية. لم تعد جزر مارشال «الدولة بدون كرة القدم». إنها دولة بدأت اللعب. وإذا كانت هذه اللعبة فقط تبدأ.
© library.africa
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2