بناء نموذج الأمومة في حالة وجود الأب بعيدًا عن الأسرة بعد الطلاق يمثل واحدة من أكثر المهام الاجتماعية النفسية تعقيدًا. هذا النموذج من الأمومة يوجد في ظل التناقض الهيكلي: من جهة، يورث خصائص نموذج الأمومة التقليدي «الأم الجيدة» (الشغف، التوفر العاطفي)، ومن جهة أخرى، يُجبر على العمل في إطار الواقع ما بعد الطلاق، يتطلب التعاون مع الشريك السابق. يتم تشكيل هذا النموذج تحت ضغط الأنظمة القانونية (مبدأ الرعاية المشتركة)، والتوصيات النفسية وتقييمات الآخرين، مما يخلق مجموعة فريدة من التوقعات وطرق السلوك.
تاريخيًا، بعد الطلاق، كانت الأم تلجأ تلقائيًا إلى أن تكون الوالدة الرئيسية والمعززة (بإطار نظرية سنوات الضعف، tender years doctrine). قام القانون الأسري في الدول المتقدمة، بما في ذلك روسيا (مع بعض الشروط)، بتحول paradigmaي نحو مبدأ الرعاية المشتركة (shared parenting).
من الناحية القانونية، الأم المثالية هي التي:
تعترف وتلتزم بحقوق الأب في التواصل مع الطفل، دون عرقلة اللقاءات.
تستعد للتحاور والتفاوض على القرارات المشتركة بشأن الأسئلة الرئيسية (التعليم، الصحة، الترفيه).
تقلل من التوتر بين الوالدين دون إشراك الطفل في الصراع أو استخدام الطفل كأداة ضغط أو انتقام.
ملاحظة مثيرة: تظهر الأبحاث التي أجريت في إطار نظرية الأنظمة العائلية لموراي بوين، أن التريانجولاتيون المستمرة (إشراك الطفل في صراع الوالدين) هو واحد من أكثر الأنماط التدميرية. الطفل الذي يُجبر أن يكون «الشريك» في الأم ضد الأب يحمل عبء الولاء الصعب، مما يترتب عليه مخاطر زيادة في اضطرابات القلق والاكتئاب في سن البلوغ. وبالتالي، الأم المثالية من الناحية النفسية هي، قبل كل شيء، الأم التي تستطيع الفصل بين العلاقات الزوجية والآبوية.
يفرض المجتمع تطلبات متناقضة على الأم المطلقة، مما يضعها في مجال إدانة مزدوجة وإعجاب مزدوج.
الأم المطلقة المنكرة: يُستigmatize الأم التي تُقيد عادة الاتصال بين الطفل والآب، وتُستخدم في بعض الأحيان للتلاعب، وتُستخدم للتشكيك في («الانفصال بين الوالدين» — parental alienation). غالبًا ما تُصور في الخطاب العام كشخصية إيغوية، ومستنكرة، تُؤذي الطفل.
الأم المطلقة التعاونية: تُنمي الأم التي، رغم الإحباط الشخصي، تبني علاقات عملية، تجارية مع الشريك السابق من أجل صحة الطفل. تصبح مديرة تحالف الوالدين، منظمة اللوجستيات، وحافظة المعلومات عن الطفل لكل من البيوت. عملها في الحفاظ على هذه العلاقة هو عمل عاطفي وإداري غير مرئي، غالبًا ما لا يحصل على الاعتراف الاجتماعي.
الأم المستقلة المُكسبة: تُتوقع منها أن تدمج دور المُكسب والمربي الرئيسي. يجب عليها أن تُظهر الاستقلالية الاقتصادية والعاطفية، دون أن تقع في دور الضحية الأبدية، وأن لا تتحول إلى «السيدة الحديدية» التي تُهمل اللين.
تقوم الأم المثالية في هذه الحالة بعمل نفسي معقد:
إنشاء نارатив غير متناقض عن الأسرة: يجب عليها مساعدة الطفل على تشكيل صورة شاملة، غير متناقضة عن الأب والسيرة الذاتية للأسرة، رغم انقسامها. هذا لا يعني التزيين، لكنه يتطلب الفصل بين الشكاوى الشخصية والصفات الآبوية للشريك السابق. الطفل له الحق في أن يحب الأب دون أن يشعر بالخيانة تجاه الأم.
إدارة الحدود: فصل حياتها الخاصة الجديدة (العلاقات الجديدة) عن التفاعل مع الشريك السابق. تجنب الأم المثالية استخدام الشريك الجديد كـ «بديل للأب» أو إشراكه في الصراعات مع الشريك السابق.
الاهتمام بالنفس (self-care) كإلزام أخلاقي: الأم المُهملة، المُستهلكة، الواحدة تُمكن أن تكون عاطفية متاحة للطفل. يشمل النموذج الحديث الاهتمام بالصحة النفسية والبدنية الخاصة بها كشروط ضرورية للأمومة الجيدة. هذا يمثل تحديًا للنموذج التقليدي للأم المُضحية.
مثال: تُعتبر مراكز الدعم للأطفال عند الطلاق في الدول السكاندينية واسعة الانتشار. الأم المثالية في هذا النموذج هي التي تُعد للانضمام إلى هذه البرامج، حيث يساعد الوساطة المهنية الوالدين على تطوير خطة التربية، والطفل على التكيف مع التغييرات، مما يقلل من الضرر النفسي. يصبح استخدام هذه الخدمات علامة على الأمومة المطلقة المسؤولة.
يشمل المثال إدارة الموارد بشكل فعال في ظل ميزانية محدودة وتحمل ضغطين. تشمل ذلك:
التواصل المالي الشفاف مع الأب (الأمانة، تقسيم النفقات غير المتوقعة).
تنظيم الحياة المستقرة في بيتين (تسوية النظام، تكرار الأشياء الضرورية)، حتى يشعر الطفل بأنه «في المنزل» عند كل من الوالدين.
الإبقاء على المنافسة في التمويل («الأب أفضل/أكثر»)، التركيز على التعبير العاطفي للوقت المشترك.
الأم المثالية عند الابوة المنفصلة هي شخصية تعيش على حافة رقيقة. نموذجها ليس صورة ثابتة، بل مجموعة متغيرة من المهارات: الذكاء العاطفي، المهارات الدبلوماسية، المرونة التنظيمية، الاستقرار النفسي، وقدرة التفكير النقدي. ترفض دور الوالدة الوحيدة والمحتكرة لصالح دور المشارك الرئيسي في فريق الوالدين، حتى إذا انقسمت هذه الفريق كزوجية.
هذا المثال اجتماعيًا تقدمي، لكنه غالبًا ما يكون ثقيلًا جدًا، لأنه يلقي على المرأة المسؤولية الأساسية لصيانة نظام عائلي صحي بعد الطلاق. يتطلب تنفيذ هذا المثال ليس فقط جهود الأم، بل الدعم الكافي من الأب، والمؤسسات (جدول عمل مرن، المساعدة النفسية المتاحة) والمجتمع الذي يجب أن ينتقل من الإدانة أو الت героية للأمهات المطلقات إلى فهم تعقيد دورهم الجديد الاجتماعي. في النهاية، يهدف هذا المثال إلى إنشاء بيئة متوقعة، آمنة ومحبة للطفل، يكون هو مركزها، بغض النظر عن التغييرات في العلاقات البالغة.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2