الادمان على العمل ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه. نحن نعتاد على التحدث عنه كظاهرة واحدة، لكن في الواقع وراء هذا الكلمة توجد محفوظات ومواقف وطرق سلوكية مختلفة. للبعض، العمل هو وسيلة لتجنب الروتين، للبعض الآخر، الروتين نفسه هو جوهر حياتهم. البعض يعملون لأنهم يقودونهم الإرادة، والبعض الآخر لأنهم لا يستطيعون التوقف عن العمل بسبب العمل المثير. لذا، ما الذي يوجد فيه أكثر في الادمان على العمل: الروتين، الإبداع، الإرادة أو الفضول؟ الجواب، كما هو الحال غالبًا، يعتمد على أي نوع من المدمنين على العمل نتحدث عنه.
للبعض من الناس، العمل هو قبل كل شيء هيكل. يقدم لهم شعورًا بالترتيب، التنبؤ، والأمان. هذا النوع من المدمنين على العمل لا يبحث في العمل عن الإلهام، بل يبحث فيه عن الاستقرار. يومه مكتوب بالدقائق، مهامه تكرر، ويكون راضيًا عن ذلك. تصبح الروتين بالنسبة له شكل حماية من الفوضى في العالم الخارجي والشعور الداخلي.
نوع آخر من المدمنين على العمل هو الشخص الذي يعتبر العمل مساحة للإبداع. هو لا يفعل فقط، بل يخلق. كل مشروع بالنسبة له هو تحدٍ، كل نتيجة هي إكتشاف. هذا النوع من المدمنين على العمل لا يخاف من الابتكار، بل يغذيها. يمكنه العمل ساعات طويلة لأن العمل يستهويه كما يستهوي فنان اللوحة لوحة أو كاتب كتاب جديد.
نوع ثالث من المدمنين على العمل هو الشخص الذي يعتمد اشتغاله على الإرادة. ليس بالضرورة أن يستمتع بالعمل، لكنه يعلم أنه يجب أن يواصل. دافعه ليس الحب، بل الدقة. يضع لنفسه أهدافًا ويحققها بأي ثمن. بالنسبة له، العمل هو اختبار يجب أن يمر به لإثبات نفسه للآخرين.
هناك أيضًا نوع رابع — مدمن العمل الذي يعمل لأنه يثير فضوله. لا يعتبر العمل له دينًا أو روتينًا أو بطولة. بالنسبة له، هو استمرار طبيعي لفضوله. يمكنه دراسة التكنولوجيا الجديدة، فهم الأنظمة المعقدة، البحث عن حلول غير تقليدية — ليس لأنه يجب أن يفعل ذلك، بل لأنه يريد ذلك.
إذًا، ما الذي يسيطر في الادمان على العمل؟ الجواب يعتمد على الشخص، تاريخه، نوعه النفسي. لكن هناك قاعدة عامة: في الادمان على العمل الصحي، يسيطر الفضول، وفي الادمان على العمل غير الصحي، يسيطر الإرادة أو الروتين. إذا كان الشخص يعمل بسبب الخوف أو القلق أو العادة، فإن ادمانه على العمل مدمّر. إذا كان يعمل بسبب الفضول والشغف، يمكن أن يصبح مصدرًا للمعنى والسعادة.
الادمان على العمل ليس تشخيصًا، بل عرض. يوضح أن الشخص يبحث في العمل عن شيء يفتقده في مجالات أخرى من حياته: المعنى، الهيكل، الاعتراف، الابتكار. الجواب على السؤال «ما الذي يوجد فيه أكثر» لا يكمن في الإحصاء، بل في التأمل الذاتي. بفهم ما الذي يدينك، يمكنك ليس فقط إدارة حياتك بشكل أفضل، بل ربما أيضًا العثور على مصادر جديدة للرضا — خارج مكتبك وأجلاءك. لأن في النهاية، العمل هو مجرد إحدى غرف المنزل الذي يُدعى «الحياة». ومن المهم أن يكون هناك ضوء في كل غرفة من هذه الغرف.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2