الخطر. عادة ما نفهمه كفرصة للضارة. فقدان المال، الصحة، الوقت، السمعة. ولكن للفلاسفة الوجوديين و مفكري الحياة، الخطر ليس مجرد خطر. إنه جوهر وجود الإنسان. أن يكون الإنسان يعني المخاطرة. ليس لأننا نحب الخطر، بل لأن الحياة الحقيقية غير ممكنة بدون المخاطرة. أي قرار حقيقي هو قفز إلى المجهول. أي حرية هي مسؤولية لا يمكن حسابها. بالضبط الخطر هو الذي يفرق بين الوجود الحي من الميكانيكي. وبالضبط من خلال المخاطرة يصبح الإنسان ما يمكن أن يكون.
نيتشه كان من أوائل من أعاد تقييم المخاطرة كضرورة حياتية. كان يستحقير الأمان والراحة التي تجعل الإنسان ضعيفًا. بالنسبة له، المخاطرة هي رغبة القوة، القدرة على التغلب على الخوف وإنشاء قيم جديدة. إن الإنسان الأعلى له هو من يعرف المخاطرة بنفسه، من لا يخاف الوحدة والخطأ. كان يعتقد أن معظم الناس يعيشون بسبب التشغيل، مثل الأفراد الآخرين الذين يبحثون فقط عن الراحة. ولكن الحياة الحقيقية تبدأ حيث نحن مستعدون لوضع كل شيء على المحك. المخاطرة بالنسبة لنيتشه ليست استراتيجية، بل طريقة العيش. يختار الخطر لأنه فقط فيه يتحقق الإنسان من قوته ويخلق نفسه من جديد. العبارة الشهيرة «كن ما أنت» تعني هذا بالضبط: المخاطرة بأن تكون نفسك، وليس نسخة من الآخرين.
كيركجورد يرفع فكرة المخاطرة، يربطها بالاختيار الديني. رمزته الرئيسية هي «القفز بالإيمان». الإيمان ليس نتيجة للتفكير، إنه مخاطرة لا يوجد لها أساس منطقي. لا يمكن إثبات وجود الله، ولكن يمكن المخاطرة بالإيمان. هذا المخاطرة يختلف عن جميع المخاطر الأخرى: لا يضمن النجاة، ولا يضمن السعادة. ولكن يمنح الإنسان الحقيقة. كيركجورد أيضًا يتحدث عن المخاطرة بالاختيار بين الحياة الجمالية والحياة الأخلاقية. إذا اخترت الأخلاق، فأنت مخاطرة بفقدان السعادة والحرية. إذا اخترت الجمالية، فأنت مخاطرة بفقدان المعنى. في أي حال، الاختيار هو مخاطرة. والطريقة الوحيدة لتجنبها هي عدم الاختيار، ولكن هذا أيضًا مخاطرة، مخاطرة أن تعيش حياة فارغة. لذلك يدعو كيركجورد إلى الشجاعة — الشجاعة للمخاطرة واتخاذ قرار نهائي، حتى لا نعرف إلى أين سيقود.
هيدجر لا يستخدم كلمة «المخاطرة» غالبًا، ولكن فلسفته تتشابك بهذا المفهوم. الخطر الرئيسي الذي يواجهه الإنسان هو موته الخاص. الموت ليس مجرد نهاية، إنه فرصة تفتح أمام الإنسان وجوده الحقيقي. طالما كنا نتجنب التفكير في الموت، نعيش بشكل غير حقيقي، في «das Man» (الوجود غير الشخصي). ولكن بمجرد أن نقبل الموت كخطر شخصي، غير قابل للتنازل، نبدأ نعيش حياة حقيقية. هيدجر يسمي هذا «وجود إلى الموت». هذا ليس الخوف من الموت، إنه الوعي بالانتهاء الذي يجعلنا نختار. المخاطرة هنا ليست فعلًا، إنها حالة. نحن نخاطرون في كل لحظة عندما نقرر أن نكون أنفسنا، وليس مجرد جزء قابل للتبديل في المجتمع.
بالنسبة للياسبرس، المخاطرة مرتبطة بما يسمى «المواقف الحدودية» - الموت، المعاناة، الذنب، القتال. في هذه المواقف، لا يمكن للإنسان الاستناد إلى المعرفة أو القواعد المعتادة. يواجه ما يكون وجوده هشًا وغير قابل للتنبؤ. هنا يضطر إلى المخاطرة - أن يختار كيف يكون، بدون ضمانات. يعتقد ياسبرس أن هذه المواقف هي مفتاح استيقاظ «النفس الحقيقية». بدون المخاطرة، بدون مواجهة المستحيل، يبقى الإنسان على السطح. المخاطرة هي فرصة للخروج عن العادة ولمس التجاوزية. ولكن دائمًا ما تكون هذه المخاطرة فعلًا شخصيًا لا يمكن نقلها إلى الآخرين. المخاطرة هي الثمن الذي ندفعه للحرة بأن نكون أنفسنا في وجه اللامعرفة.
سارتر، ربما، أكثر تشددًا في فهم المخاطرة. بالنسبة له، الإنسان حر تمامًا، و هذه الحرية هي الخطر الرئيسي. لا نملك طبيعة مسبقة، نخلق أنفسنا في كل لحظة. أي فعل لنا هو خيار يحدد ما نكون. ولكن لا يمكننا معرفة التأثيرات، لا يمكننا أن نكون متأكدين من صحة ذلك. هذا يسبب القلق الذي يسميه سارتر «التوسع». المخاطرة بالنسبة لسارتر جزء لا يتجزأ من وجود الإنسان. لا يمكننا تجنبها. حتى رفض الاختيار هو خيار. لذلك المخاطرة ليست استباحة، إنها هيكل أساسي للوجود. أن يكون حرا يعني أن تكون مسؤولا عن قراراتك، حتى إذا أدت إلى الفشل. يصرح سارتر بأن الإنسان مكره بالحرية، وأن هذه المكرورة هي أعلى خطر.
كامو يأتي إلى المخاطرة عبر مفهوم الفوضى. يسعى الإنسان إلى المعنى، ولكن العالم لا يقدم له إجابة. أن يعيش يعني المخاطرة باللامعنى. ولكن كامو لا يقدم للإحباط. عكس ذلك، يقدم للتمرد - أن يعيش ضد الفوضى، أن يستمر في البحث، في الشعور، في الفعل. المخاطرة هنا هي استعداد قبول الوضع الفارغ وعدم الاستسلام. مثاله المفضل هو سييزيف الذي يدفع الحجارة، يعرف أن ذلك سيتمدد. يعرف أن عمله غير معقول، لكنه يستمر. هذا هو الخطر: المخاطرة بأن تبقى مخلصًا للحياة، حتى عندما لا تقدم لها أي أسباب للإيمان.
مارسيل، على عكس العديد من الفلاسفة الوجوديين، يبرز المخاطرة الشخصية. بالنسبة له، وجود حقيقي ممكن فقط من خلال الانفتاح على الآخر. ولكن الانفتاح هو دائمًا خطر: يمكنك أن تُرفض، أن لا تُفهم، أن تُخون. ولكن بدون هذا الخطر لا يمكن أن تكون الحب، ولا يمكن أن تكون الصداقة، ولا يمكن أن يكون التواصل الحقيقي. يضاد مارسيل «للإمتلاك» و «للوجود». الإنسان الذي يركز على الإمتلاك يتهرب من الخطر لأنه يريد التحكم. الإنسان الذي يختار «للوجود» يخاطر بالانفتاح ويجد نفسه في هذا الخطر. كما يتحدث عن المخاطرة في العلاقة بالرب: الإيمان ليس معرفة مطيعة، إنه مخاطرة بالثقة، حتى لا يوجد أدلة.
على الرغم من الاختلافات، جميع هؤلاء المفكرين يتوافقون في شيء واحد: المخاطرة ليست انحرافًا، ليست خطأ، ليست استثناء. إنها ضرورة وجودية. أن يكون الإنسان يعني أن تكون في حالة المخاطرة. لا يمكننا التحكم في حياتنا بشكل كامل. لا يمكننا ضمان النجاح. ولكن هذه اللامعرفة هي التي تجعلنا حرة. بدون المخاطرة لا يوجد حقيقة. بدون المخاطرة لا يوجد خيار. بدون المخاطرة نكون فقط وظائف وليس شخصيات.
لذلك، عندما نتحدث عن المخاطرة من منظور فلسفة الحياة والوجودية، نتحدث عن القدرة على أن تكون. على استعداد للمخاطرة بالخطأ. على القدرة على العمل، رغم الخوف. هذه هي فلسفة ليست فوضوية، إنها شجاعة. شجاعة أن تكون نفسك في عالم لا يقدم لنا ضمانات.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2