التعاونية هي المبدأ الذي يعتمد على التعاون المتساوٍ بين محترفي المهارات المختلفة، الذين يجمعهم هدف مشترك وتبادل الاحترام للمهارات المهنية لبعضهم البعض، كأساس لتنظيم الأنشطة والقرارات. على عكس الفهم المبسط لها كـ «عمل في فريق»، التعاونية تمثل ظاهرة اجتماعية وإدارية معقدة، تدمج الإجراءات الرسمية بثقافة التفاعل غير الرسمية العميقة.
لا يمكن تحويل التعاونية إلى وجود أجهزة تعاونية (مجالس أو لجان). جوهرها يتكون من المبادئ التالية التي تترابط مع بعضها البعض:
المساواة والشراكة: يتم اتخاذ القرارات ليس وفقًا لخط الهرم الإداري، بل من خلال مناقشة الخبراء المتساوين في مجالهم المهني. يُبنى الأ�权يس هنا ليس على الدور، بل على المعرفة والخبرة وقدرة التأطير. كما أشار السوسيولوجي إيميل دوركهايم، فإن هذه «الوحدة العضوية» التي تعتمد على التكامل بين الخبراء هي علامة على المجتمع المتطور.
المسؤولية الجماعية والتعاونية: يعتبر القرار الذي يتم اتخاذه تعاونيًا نتاجًا لجهود فكرية مشتركة، مما يخلق مسؤولية جماعية أمام آثاره. هذا يخلق «نظام من القيود والضوابط» ضد الفوضى واستخدام السلطة بصورة مفرطة ويقلل من مخاطر الأخطاء الشخصية.
الإجراءات والشفافية: يتم تنظيم عملية المناقشة والاتخاذ من القرارات (جدول الأعمال، حق التصويت، протوكول)، مما يضمن قابلية التنبؤ والعدالة. تقليل الشفافية في المناقشة يقلل من تأثير المصالح الخفية.
التعديل عن الشخصية: يتم تحويل التركيز من الشخصية القيادية إلى محتوى المسألة والمعايير客وية. هذا يقلل من مستوى التوتر ويؤدي إلى نتائج أكثر تعقلًا وروية.
تبدأ جذور التعاونية في العصور القديمة. في روما القديمة كانت هناك كوليجيا (collegia) — مجتمعات من الكهنة أو الصناع أو المسؤولين، التي تُدار بشكل مشترك. ولكن شكل هذا المبدأ الحديث تشكل في مجالين رئيسيين:
البيئة الأكاديمية والعلوم. أصبحت الجامعات مع مجالسها الأكاديمية، حماية الأطروحات، والمراجعة الأكاديمية للمراجع، نموذجًا كلاسيكيًا للتعاونية. يتم اتخاذ قرار منح الدرجة العلمية أو نشر العمل ليس من شخص واحد، بل من مجموعة من الخبراء المعترف بهم بناءً على تقييم الأدلة. هذا هو أساس روح العلم الأكاديمي لروبرت ميرتون، حيث يكون الجدولاني والشك التنظيمي القياسيين.
نظام القضاء. يتمثل جوهر العدالة في العديد من النظم القانونية في كوليجات الشعب المذكورين أو هيئة المحلفين. يتم إصدار الحكم ليس بشكل فردي، بل من قبل مجموعة من المواطنين (المحلفين) أو القضاة المهنيين، مما يهدف إلى ضمان مراجعة شاملة للمسألة وتقليل المخاطر الشخصية. كان محكمة المحلفين الشهيرة في أثينا، التي قررت مصير سقراط، مثالًا مبكرًا لهذه الفكرة، رغم أن نتيجته كانت مأسوية.
إدارة الشركات: مجلس الإدارة للشركة المحدودة هو مثال واضح على هيئة تعاونية. يهدف إلى وضع الاستراتيجية ومراقبة نشاط الوكيل التنفيذي (مدير الشركة)، ممثلًا لاهتمامات مختلف المساهمين. يعمل المجلس بشكل تعاوني وليس كاجتماع محفوظ.
الطب: هيئة الأطباء. في الحالات الطبية المعقدة، يتم اتخاذ قرار التشخيص والتكتيك العلاجي ليس من قبل الطبيب المعالج بشكل فردي، بل من قبل مجموعة من الخبراء من مختلف التخصصات (جراح، طبيب عام، طبيب رئة، طبيب أشعة). هذا هو تطبيق مباشر للتعاونية لتحسين جودة和安全 العلاج. الحقيقة التاريخية: كانت أوائل نماذج هيئة الأطباء تعرف عن زمن أبي سينا (إبن سينا)، الذي أشار إلى ضرورة إشراك الزملاء في الحالات الصعبة.
المشاريع العلمية والتكنولوجية. إن تنفيذ مشاريع ضخمة مثل مصادم الجسيمات الكبير (CERN) أو مهمات وكالة ناسا، لا يمكن تصورها بدون مبادئ التعاونية. آلاف العلماء والمهندسين من عشرات البلدان يعملون في إطار التعاونيات، حيث يتم اتخاذ القرارات الرئيسية حول تصميم التجارب أو تحليل البيانات من قبل الفرق العمالية واللجان الإدارية بناءً على التوافق أو التصويت.
المزايا:
زيادة جودة القرارات نتيجة التنوع في الآراء والخبرات («التفاعل بين الذكاء الجماعي»).
تقليل المخاطر الناتجة عن الأخطاء الأوتوقراطية واستخدام السلطة بصورة مفرطة.
توثيق القرارات: القرار الذي يتم اتخاذه من قبل مجموعة من الخبراء المعتمدين يتمتع بوزن أكبر ويُقبل بسهولة من قبل الجماعة.
تطوير ثقافة الشركة بناءً على الثقة والاحترام المتبادل.
القيود والخطر:
«التفكير الجماعي» (groupthink): الظاهرة التي وصفها إرينغ جينيس، حيث يُؤدي السعي إلى الحوار والتوافق في المجموعة المتكاملة إلى قمع الاختلاف والنقد، مما يؤدي إلى قرارات غير منطقية (مثال كلاسيكي — فشل عملية الهبوط في خليج السوين، التي أعدتها إدارة كينيدي).
طول الإجراءات: قد يكون عملية المناقشة والتوافق بطيئة، مما يكون غير مقبول في المواقف التي تتطلب استجابة سريعة.
تشويه المسؤولية: قد يكون تشويه المسؤولية في الحالة القصوى، حيث لا يمكن تحميل أي شخص شخصيًا مسؤولية الفشل («هناك مسؤولية، لكن لا يوجد مسؤولون»).
في شكلها النقي، التعاونية والقيادة المركزية (الهرم) نادرة. تسعى المنظمات الحديثة الفعالة إلى دمجها. على سبيل المثال، في الشركات التي تتبنى نموذج «الأزرق» الإداري (وفقًا لفرديك لالو)، يتم دمج مبادئ التعاونية في العمل اليومي للفرق الذاتية، بينما يتحمل المسؤولون المرسلون المسؤولية عن اتخاذ القرارات التشغيلية في المواقف الحرجة. مهمة إنشاء نظام حيث يضمن التعاونية جودة الاستراتيجية والابتكار، بينما يضمن الهرم السرعة والانضباط في التكتيك.
بالتالي، التعاونية هي شكل متطور من التعاون، تقوم بتحويل مجموعة من الخبراء إلى كيان جماعي ذهني. إنها تعتبر مضادًا للتنظيم الأوتوقراطي والفوضوية. يتطلب نجاحها ليس فقط القواعد الرسمية، بل أيضًا ثقافة مهنية ناضجة، والثقة والمعايير الأخلاقية العالية. في عالم حيث تفوق تعقيد المشاكل على مهارة أي شخص، تصبح التعاونية ليس مجرد خيار إداري، بل شرطًا ضروريًا لتحقيق النتائج الرائعة، ضمان العدالة والتنمية المستدامة في العلوم، والتجارة، والطب، والمجتمع بشكل عام.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Africa ® All rights reserved.
2023-2026, LIBRARY.AFRICA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Africa's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2